2014/11/17

الإعجـاز العلـمي.. والإنجـاز­ الوهمـي!


ذهب البعض إلى تأويل آيات من القرآن الكريم تأويلاً علمياً لإثبات أسبقيته في مختلف العلوم والاكتشافات، فصرنا نقرأ، ونسمع، ونشاهد عن «الإعجاز العلمي» الذي يورد العديد من الشواهد الدالة على أن بعض نظريات واكتشافات العلماء، سبقهم إليها القرآن.
وبعيداً عن مسألة الإعجاز العلمي، دعونا نتساءل عن فائدة إثبات الأسبقية فيما نحنُ اليوم بعيدون كل البعد عن مضمار السباق العلمي الحاصل بين مختلف بلدان العالم، حتى بعض البلدان النامية التي بدأت في الانطلاق كالبرازيل، والهند، والارجنتين، إلخ... فما معنى أن نصاب بهوس إثبات الأسبقية؟
لنفترض بأن إثبات الأسبقية مهم على النطاق التأريخي للعلوم، وكذلك دعونا ندعي بأنهُ مهم لتثبيت إيماننا كمسلمين، لكن دعونا كذلك نتساءل عن الجانب العلمي، وهل نحنُ إذا ما فعلنا ذلك سنتطور علمياً وسنبدع نظريات لم يسبقنا إليها أحد؟ عن نفسي لا أعتقد ذلك!
 كانت العديد من الحضارات القديمة معنية ببعض الجوانب التي نعتبرها اليوم علمية، كالفلك الذي كان نشاطاً مقدساً لدى شعب «المايا»، وغيره من شعوب الحضارات القديمة... بالإضافة لذلك نعرف جيداً الارتقاء الذي بلغتهُ الحضارة اليونانية في مختلف المجالات. لكن هل لذلك أثر لو أن باحثاً وظف جل وقته للتحقيق في أسبقية المايا، أو اليونانيين، على مجرى سير العلوم اليوم؟
سيكون لذلك أثر على مستوى التأريخ كما أسلفنا، لكن ذلك لن يقدم أو يؤخر على المستوى العلمي. إن صراع الأسبقية، والفخر بهذه الأسبقية لا يجدي شيئاً في مقابل كون العلم «نشاط حر للإنسان، يعتمد على العقل والتفكير والخيال، بالإضافة لتقديمه الحلول للمطالب العديدة والاحتياجات البشرية من الثروة والراحة» كمـا يقول عالم البيولوجيا جون هالدين، فالعلم إنجاز بشري تدريجي متراكم، ومتطور، ومتفرع باستمرار، وإثبات الأسبقية لا يشير –بالتأكيد- لأي إنجاز يضاف لهذا التراكم، أو يفتتح جديداً من التفرعات في الوقت الحاضر، إن لم يكن مقروناً بعمل فعلي.
وكما أن عارفاً لا ينكر فضل العلماء المسلمين وأسبقيتهم في العديد من المجالات العلمية، إلا أن هذه الأسبقية لا تغني ولا تسمن من جوع في ظل حركة العلم اليوم... نعم.. كان العلماء المسلمين، وليس علماء اليوم المسلمون، وبين كان وعلماء اليوم قرون طويلة!
ولهذا من الأجدى بمن يتغنى بالأمجاد العلمية أن يوظف هذه الأسبقية لخلق واقع جديد يحفز على أن نكون أمة حية في مختلف المجالات.. أما الشغوفون بالإعجاز العلمي فمن الأجدى أن يوظفوا طاقاتهم، وقدراتهم، ومؤتمراتهم، والأموال المبذولة حول ذلك في التأسيس لواقع علمي يطرح نظرياته، واكتشافاته ليفرض وجوده.

صحيفة الأيام البحرينية، 15 نوفمبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90647

زوجة واحدة لملايين السنين!

صورة تخيلية للفتاة "لوسي" (مستحاثة)

لم يخطر ببالي يوماً السؤال عن سبب امتيازنا كبشر، بالعلاقات الزوجية الثنائية التي تربط بين الرجل والمرأة بشكلٍ حصري، وتستمر في أغلب الأحيان حتى الوفاة. كنت أعتقد بأن الإنسان هو الكائن الوحيد من بين جميع الكائنات الحية الذي يلتزم برباط أسري، وبعلاقة ثنائية بين ذكر وأنثى..
وكنت أظن بأن هذه العلاقة نتاج تطورنا العقلي، لهذا لم أكن لأسأل: «لماذا نحن وحدنا من يقوم بذلك؟» فمثل هذا السؤال كسؤال: لماذا لا يستخدم الحصان الكومبيوتر؟! بطبيعة الحال كان لهذا الظن جانبه السلبي في عدم معرفة لماذا نحن كذلك؟ وهل كان أسلافنا القدماء، قبل وجود الشرائع الدينية، يلتزمون بعلاقات ثنائية؟ وما الذي استدعى، إن لم يكن العقل، لنكون استثناءً عن باقي الكائنات؟ ثم هل هناك حيوانات ترتبط بعلاقات زوجية ثنائية حتى الموت؟
كل تلك الأسئلة انطلقت مذ قرأت عبارة تقول «ربما يكون الارتباط بشريك واحد هو أفضل ما قام به أسلافنا».. وكأن «بليك إدجار» وهو القائل، يريد أن يخبرنا بأمرٍ لطالما اعتقدنا بأنه وليد عقلانية الإنسان العاقل. فكيف به يصدمنا بأمرٍ: هو أن أسلاف البشر فعلوا ذلك، وربما، كما يدعي، بأن هذا الشيء من أفضل الأشياء التي فعلوها!
قد يكون من اليسير علينا تعليل هذا الارتباط بكون البداية ابتدأت بهذا الشكل، أيّ أن آدم وحواء بدءوا المسيرة بصورة ارتباط ثنائي، إذ لم يكن من خيار أمام آدم، في مقابل حواء واحدة، لكن لو تجاوزنا هذا التعليل وذهبنا في سياق وجود البشرية، أياّ كانت صورتها، قبل آدم وحواء، فإن اسئلة عديدة تتطلب تفسيراً وفهماً لدى المشتغلين في المجالات المعنية بتطور الإنسان، وفهم سلوكه..
كما أن وجود العلاقات الزوجية الثنائية بين الثدييات يفرض العديد من الأسئلة، في هذا المقام. يؤكد العلماء بأن الإنسان ليس الكائن الوحيد الذي يخلق علاقة زوجية حصرية بين اثنين، ذكر وأنثى، فهنالك عدد قليل من الثدييات التي لا تتجاوز نسبتها العشرة في المائة، تفعل ذلك، بل وأنها تبقى على ارتباط برابط الزوجية إلى حين رحيلها.
وبالرغم من وجود تعدد الزوجات لدى العديد من المجتمعات البشرية، كمجتمعنا الإسلامي، إلا أن الغالبية العظمى تتجه نحو الارتباط الثنائي، هذا الارتباط ليس وليد العصور الإنسانية المتأخرة، وإنما هو موجود قبل وجود الإنسان العاقل، وتعود أسبابه كما يبين «بليك إدجار» للعديد من الأمور التي يذكرها الباحثون، وعلماء الأنثروبولوجيا، منها على سبيل المثال: التسلسل التدريجي الذي تم عبر انتقال الإنسان من اختلاط التزاوج، كنظام أغلب الحيوانات اليوم، إلى التزاوج المتعدد، كما يفعل الغوريلا، حيثُ يحوز الذكر على عدد من الأناث، وصولاً إلى الزواج الأحادي، وهو النظام الشائع لدى البشر... ويعود هذا التسلسل إلى كون «الحفاظ على زوجات كثيرات ليس بالأمر السهل. فالأمر يتطلب الكثير من القتال مع الذكور الآخرين وحماية الإناث (في تلك الأزمنة).
وربما ظهر التزاوج الأحادي كأفضل الطرق للتقليل من متاعب التزاوج المتعدد الزوجات». يبقى أن نؤكد بأن هذا الموضوع لا يزال موضوع بحث وجدال، ولقراءة المزيد حول ذلك، يمكن الرجوع إلى مقال بليك إدجار بعنوان «قوة العدد اثنين» في «مجلة العلوم، الترجمة العربية لمجلة ساينتفيكت الأمريكية» الذي يستعرض فيه العديد من الفرضيات، والدراسات حول هذا الأمر.

صحيفة الأيام البحرينية، 18 أكتوبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90365

العقل المتقدم والآخر المتحيون!

كاريكاتير الفنان عماد حجاج

أنزرع أيها الرحم، لتكون مأوى لطفل.. في الرحم تتحول النطفة إلى شيء يذكر. هذا الحيوان المنوي المتناهي في الصغر، صيرورة لإنسان سيشيخ يوماً ما، وقد يصنع تحولاً إيجابياً كإديسون، أو سلبياً كهتلر... حيوانٌ منوي تقرر عبر مسيرة حياة أن يكون عالماً ينتظر استلام جائزة نوبل هذه الأيام، أو إرهابياً بانتظار الفرصة لحزّ رأس ضحية!
لقد تضمنت الفقرة السالفة كلمات دلالية «وسوم» تشير لواقع يحدث الآن، كنجاح ولادة طفل من رحم مزروع في امرأة، والإعلان عن أسماء العلماء الفائزين بجوائز نوبل في المجالات المختلفة، بالإضافة لواقع بشع أضحى فيه قطع الرؤوس حدثاً يومياً موثقاً بأحدث الكاميرات التي أنتجها العقل البشري المتقدم، ليستخدمها العقل المتحيون!
هذه المفارقة قاربها الفنان عماد حجاج في كريكاتيره بتاريخ (9 أكتوبر) في صحيفة «العربي الجديد» بمناسبة ذهاب جائزة نوبل للطب لثلاثة علماء تمكنوا من اكتشاف منطقة تحديد المكان في دماغ الإنسان... ففي صورتين متجاورتين يصور لنا عماد في الأولى عَالم يعكف على دراسة الدماغ، فيما يمسك مقاتل بسكين تقطر دماً، وقد انتهى من حز رأس ضحيته في الصورة الثانية. ويعقب حجاج على الصورة الأولى التي كتب في وسطها: (هم) أي العالم المتقدم، الذي يعكف على «فك أسرار الدماغ»، فيما يعقب على صورة المقاتل التي كتب عليها (نحن) ب «فك الدماغ!».
ليس من الصعب على أي متجرد من آدميته أن يفعل ما يفعلهُ «قاطعوا الرؤوس» لكن من الصعب على الإنسان أن يسبر أغوار العقل البشري، ويكشف خفاياه، وقد تمكن العالم البريطاني أوكيف، والزوجان النرويجيان ماي بريت، وإفارد مويزر، من كشف بعض خفايا هذا العقل، عبر اكتشافهم لمجموعة من الخلايا التي تشكل نظام التموضع، والتي تعمل ك (GPS) داخلي في الدماغ.
هذه المنطقة تكشف «كيف يرسم المخ خريطة للفضاء المحيط بنا وكيف نشق طريقنا عبر بيئة مركبة» كما ذكرت وكالات الأنباء، واستحقوا على ذلك جائزة نوبل للطب هذا العام. وبينما تقطع الرؤوس في عالمنا (نحن) يجب أن نتساءل كم رأس يحتوي على عقلية كان من الممكن لها أن تكون كهؤلاء العلماء الفائزين بجائزة نوبل لو أن السبل المناسبة تحققت لهم؟ وكم دماغ من تلك الأدمغة الملوثة بالدم، كان الممكن أن يكون كألئك المكتشفين لو أنهُ نما بغير الشكل الذي عليه الآن؟!

صحيفة الأيام البحرينية، 11 أكتوبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90280

مستقبل العلوم العربية!

شعار مجلة نيتشر

لكلِ شيء مستقبل.. فما مستقبل العلوم في العالم العربي؟ ما مستقبل كل شيء في هذا الجزء من العالم الذي يعاني من كل شيء؟ يبدو ذلك تعميماً مبالغاً، إلا أن كثيراً من الأمور الدائرة حولنا لا نعرف اتجاهها. في عددها لهذا الشهر (أكتوبر) تطرح مجلة «نيشتر الطبعة العربية» ملفاً بعنوان «مستقبل العلوم في العالم العربي» بمشاركة مجموعة من الباحثين العرب، ويتطرق هذا الملف لعدد من القضايا العلمية ذات الصلة باقتصاد المعرفة كتعليم العلوم، والهندسة الوراثية، وأبحاث الطاقة، والطب الحيوي، وعلوم الفلك، وتحليل المياه.
في هذا المقال سأسلط الضوء على ابرز النقاط التي لفتت انتباهي في مقالات الملف، وأولها مقال بعنوان «نظرة إلى الواقع العلمي والتقني في العالم العربي» كتبه د. أحمد باشا، وهو في حقيقته كشف لما نحن عليه من حال متردٍ، بالرغم من التقدم البسيط الذي تحقق في الآونة الأخيرة في مجال العلوم، والذي ما زال عاجزاً عن ردم الفجوة المعرفية المتسعة بيننا وبين الدول العلمية المتقدمة.
ولنتخيل هذه الفجوة استعير إحصائية نقلها باشا، تشير إلى مقدار الضآلة في مجال الإنتاج العلمي العربي المقدرة بـ 0.6% من الإنتاج العلمي العالمي! كم هذه النسبة قزمة، وبلهاء كذلك! ولا تختلف عنها كثيراً النسب الأخرى المتعلقة بهذا الشأن، كمقدار إنفاقنا على البحث العلمي، بالرغم من عدم وجود المعوقات المادية التي تقف عائقاً أمام دولنا التي تغفل عن كون «مستقبل العلم في العالم العربي متوقف على ما يجب أن تتخذه هذه الدول من خطوات فعالة وسريعة – فكرية، وعلمية- إذا كانت تريد إحراز قصب السبق والتميز العالمي. وأولى هذه الخطوات أن تؤمن بدور العلم والتقنية في صنع التقدم» كما يقول باشا.
إلى جانب ذلك تحدث د.قاسم زكي في مقاله عن آمال الهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية، وأشار إلى العديد من العوائق والتحديات التي تواجهها، ومنها «الجدل الواسع حول التعديل الوراثي، فقد يحسب البعض أنه تدخل وتغيير في خلق الله» وهذا الجدال لا يتعلق بالهندسة الوراثية وحدها كما أعتقد، وإنما بالكثير من الأمور المستجدة التي تتطلب استيعاباً متخصصاً من قبل المشرعين!
أما د. نظال قسوم فقد تطرق إلى مستقبل علم الفلك منتقداً فقر الوطن العربي لأبسط الضروريات التي يعتمد عليها هذا العلم، كالمراصد الفلكية «لا يوجد في العالم العربي بأكمله مرصد فلكي يحتوي تليسكوباً بقطر يزيد على متر واحد، سوى مرصد القطامية بمصر، الذي لا ينتج سوى القليل جداً من الأبحاث القابلة للنشر» على الرغم امتلاك العالم العربي لكل المقومات التي تستطيع فعل ذلك والمزيد!
ويختتم الملف بمقال «تعليم علمي يستحق العناء» للدكتورة رنا دجاني، انتقدت فيه أساليب التعلم القائمة على التلقين، داعية إلى ضرورة تغيير مناهج تعليم العلوم، وإشاعة التفكير الحر، تقول «إن إيجاد بيئة مواتية للتفكير الحر هو جوهر مستقبل تعليم العلوم في الشرق الأوسط» وهذا الجوهر لا ينحصر على مستقبل تعلم العلوم برأيي، وإنما يعم مستقبلنا على مختلف الأصعدة، ولهذا يجب أن يكون ابتدائياً، أي هو الأول قبل كل التلقينات والتعليمات التي نتلقها طوال حياتنا... وعليه يتحدد شكل مستقبلنا في العلوم وغيرها من المجالات المختلفة.
يبقى أن نتساءل هل تلتفت الدول العربية إلى هذا المستقبل؟ مصر، السعودية، الأمارات، والأردن، أسماء ترددت كثيراً في الحديث عن التقدم العلمي في العالم العربي.. لكن ماذا عن باقي البلدان العربية؟ ماذا عنا نحنُ في البحرين؟

صحيفة الأيام البحرينية، 4 أكتوبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90216

من الهند.. إلى الكوكب الأحمر

فرحة العالمات الهنديات المشاركات في رحلة الهند إلى المريخ
علماء وعالمات اجتمعن للاحتفال بوصول المركبة الهندية «مانجاليان» إلى مدار كوكب المريخ.. العالمات كن يرتدين «الساري الهندي» وتنتصف جباههن بالنقاط الملونة المتعلقة بالطقوس الدينية... قد يكون العقل الهندي أحد أبرع العقول في خلق الأساطير ونسج الحكايات على مر التاريخ، إذ يمتلك هذا الشعب إحدى أطول الملاحم، وهي ملحمة «المهابهاراتا» الهندوسية، بالإضافة لتنوع اللغات، والأديان، والآلهة في هذا البلد الأسيوي المتميز في العديد من الأشياء، ومن بينها، مؤخراً، وصوله إلى الكوكب الأحمر، ليكون بذلك الأول آسيوياً والرابع عالمياً بعد الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا!
الكثير من المشاهد السريالية التي تميز الهند عن سائر بلدان العالم، إلا أن هذا البلد لم يقف يوماً متفرجاً على واقعية العصر، فأخذ يبدع في مختلف المجالات، ومن بينها العلوم التي أوصلتهُ أخيراً إلى ذلك الكوكب عبر مهمة قيل بأنها «فريدة من نوعها ليس فقط لانخفاض تكاليفها، وإنما لنجاحها من المرة الأولى دون الحاجة لمحاولات أخرى كما هي العادة».
وتهدف الهند من خلال إرسالها لهذه المركبة، دراسة سطح الكوكب وتركيبته، بالإضافة للبحث عن غاز الميثان في غلافه الجوي والذي يعد من أهم الغازات الدالة على وجود أنماط حياة. وهي بذلك تقف جنباً إلى جنب الدول العلمية المتقدمة في مجال سبر أغوار هذا الكوكب الشبيه بالأرض...
وهنا استحضر «جون غروتزينغر» الذي كتب في عدد من أعداد مجلة ناشونال جيوجرافيك موضوعاً بعنوان «رحلة ميدانية إلى المريخ» تحدث فيه عن عملهم في استكشاف هذا الكوكب، والجهد المبذول «من أجل البحث عن أدلة كيميائية تثبت أن المريخ ليس مختلفاً كثيراً عن كوكب الأرض، وبأنه كان ذات عصر سحيق قادراً على استيعاب الحياة على سطحه» وقد استطاع جون وفريقه أن يثبتوا عبر حفر الصخور بمركبة «كيريوزيتي» أن المريخ كان قابلاً للحياة! لكنهم لم يؤكدوا ما إذا كان هذا الكوكب ضم حياةً أم لا، وهذا ما يجري البحث عنه...
وبالعودة إلى «مانجاليان» فقد كتبتُ مقالاً بعد أيام من إطلاقها قبل عشرة أشهر، وكان بعنوان «هندي ولكن يسافرُ في الفضاء!» تحدثت فيه عن تعميم سائد في مجتمعاتنا يقلل من شأن هذه الأمة، وبينت بأنها تمتلك أسماءً أسهمت في مسيرة العلوم، والعالم! وأما في هذا المقال فقد تقصدت البدء بالحديث عن العالمات المحتفيات بانتصارٍ شاركن في صنعه، ولم يمنعهن التزامهن بالزيّ التقليدي، أو اتباعهن لعادتهن الدينية، أو العرفية من أن يسجلن أسماءهن في نجاح سيبقى مخلداً في التاريخ كخلود أساطير الهند...

صحيفة الأيام البحرينية، 27 سبتمبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90147

العتمة الموحشة!

صورة تخيلية لثقب أسود

«قد تكون هناك ثقوب سوداء أصغر كثيراً، كانت قد تشكلت في الطور المبكر للكون. ويمكن لأحجام تلك الثقوب أن تكون أصغر من حجم نواة الذرة، لكن كتلتها يمكن أن تساوي مليارات الأطنان» هذا ما يقوله ستيفن هوكنغ في كتابه «الثقوب السوداء والأكوان الطفلة». لتصور ما يعنيه ثقب أسود، علينا أن نتأمل أنبوب المكنسة الكهربائية إذا ما دنى من كومة رمل، حيثُ تأخذ فوهة الأنبوب في ابتلاع كل ما يقع في نطاقه، تماماً كما تفعل الثقوب السوداء بكل شيء يتجاوز ما يسمى بـ «أفق الحدث».
تنشأ الثقوب السوداء بعد موت النجوم العملاقة، بمعنى أن ليس كل نجم في السماء مرشحٌ لأن يكون ثقباً، فالشمس مثلاً لن تتحول إلى ثقب أسود بعد موتها، ولو تخيلنا حدوث ذلك لكان حجمها الكبير جداً بالمقارنة لجميع الكواكب في مجموعتها، تقلص ليساوي ربع جسر الملك فهد الرابط بين البحرين والسعودية (6.5 كم)!
ولو قدر للأرض أن تكون ثقباً لأصبحت بمقدار بيضة عصفور، أو مقلة عين إنسان (1.8 سم)، دون أن تفقد لا هي ولا الشمس، ولا أي نجم يتحول إلى ثقب، شيئاً من وزنه الذي كان عليه! ليس موتاً هادئاً هو الموت الذي تتخذهُ النجوم العملاقة بعد شيخوختها، بل هو أشبه بالانتحاري الذي يفجر نفسه، مهلكاً كل ما حوله.. فبعد انفجارها يتحول كل شيء في متناولها إلى ذرات، وما دونها، حيثُ «تتحطم الذرات إلى إلكترونات وبروتونات ونيترونات، ومن ثم تُفتت تلك المكونات الدقيقة بدورها إلى كواركات ولبتونات وغلوونات... وهكذا إلى أن تصير أدق فأدق حجماً، وأكثر فأكثر كثافة، إلى أن.... الله وحده أعلم!» كما يعبر الكاتب العلمي مايكل فينكل.
وإذ ليس من الضروري إدراك ما تعنيه هذه الأسماء لإدراك تسلسلها المتجه للأصغر فالأصغر فالأصغر... هذا الجنوح للضآلة يشير إلى كثافة كبيرة، إذ تعتبر الثقوب من أكثر الأماكن كثافة في الكون، وذلك بسبب اضمحلال الفراغ في الذرة. أمر مشابه، مع اختلاف المقاييس، لما نقوم به، عندما نحاول ضغط أكبر كمية من الثياب في حقيبة، فكلما قمنا بضغطها بشكل أقوى، حصلنا على مساحات إضافية للمزيد! بالإضافة لذلك فان الثقوب السوداء التي تملأ الكون ومجراته، تتميز بجاذبية شديدة القوة، إذ يصعب على أي شيء الإفلات منها، حتى الضوء الذي يعد الأسرع في الكون.

صحيفة الأيام البحرينية،  20 سبتمبر 2014
http://www.alayam.com/Home/Article/90069#

 

2014/09/09

"لوسي" وخرافة عقل الإنسان


* سيد أحمد رضا
الخرافة، هي الشيء الذي يسكن عقل كل إنسان عاقل، بدرجات متفاوتة، ولا ينتزع إلا بإحلال بديل عنه، هذا ما أعتقده، ولذات الشيء يشير عالم النفس جيروم كيغان بقوله إن «البشر أحوج ما يكونون إلى بعض الأوهام والخيالات ليبثوا الحيوية ويشيعوا روح الأمل». فعندما أدركت أهمية آينشتاين على المستوى العلمي، رحت أبحث عن المزيد حول هذا الرجل، لا بوصفه عالما فقط، بل بوصفه إنسانا يمتلك روحاً مختلفة عن الآخرين.
حينها أخذت أفتش عن ما كَتب، وما كُتب عنه... وفي تلك الأثناء عرفت بأن عقله لا يزال محفوظاً، ويخضع للدراسة، كما قرأت في إحدى المنتديات الإلكترونية بأن هذا العبقري لم يستخدم سوى 15% من قدراته العقلية، فيما يستخدم الإنسان العادي 10% فقط!
سلمت بهذه الخرافة باعتبارها حقيقة! وما أكثر الحقائق التي تروجها، وتتناقلها المنتديات في زمانها، وقد حل الـ «وتس آب» محلها اليوم، حيث تصلني في كثير من الأحيان، معلومات لا أصل لها إلا في عقل مبتكرها الذي يروج لها باعتبارها حقائق، والآخر الذي ينقلها دون أدنى تحقيق من صحتها!
وبعد زمن قرأت بأن حقيقة استخدام الإنسان لـ 10% من عقله، مجرد خرافة شائعة، و«هذه الخرافة منتشرة حتى فيما بين دارسي علم النفس والأشخاص الذين تلقوا تعليماً جيداً» كما يقول مؤلفي كتاب «أشهر 50 خرافة في علم النفس، هدم الأفكار الخاطئة الشائعة حول سلوك الإنسان». والذين يرجعون بقاءها لكونها من البديهيات الباعثة على الأمل، وهذا ما يمكن أن نربطه بمقولة «كيغان» في بداية المقال.
لكن، وبعد أن حلت هذه المعلومة مكان خرافة الـ 10%، ذهبت الأخيرة مع الريح، وأُزيلت من عقلي... وقد استذكرتها مؤخراً بعد مشاهدتي لفيلم «لوسي» الذي يعرض حالياً في دور السينما، إذ أن فكرة الفيلم مبنية على أن «الإنسان يستخدم 10% من عقله، تخيل ماذا سيحصل لو استخدمه 100%». ولمعرفة أسباب كونها خرافة يمكننا العودة للكتاب سالف الذكر، والذي يقول مؤلفاه أن الأدلة تشير إلى «عدم وجود أي مناطق غير مستغلة بالمخ تنتظر تلقي المساعدة من القائمين على صناعة الارتقاء بالذات حتى تبدأ في العمل» بالإضافة للأدلة الأكثر تعقيداً التي يسوقونها لدحض هذه الخرافة.
لا أنكر بطبيعة الحال ميلنا للخرافة والوهم، احياناً، للتغلب على بعض المعوقات، بالإضافة لإشاعة روح الأمل، كما يذكر كيغان إلا أن ذلك لا يعني التعمد في الإيمان بها، وترك البديل إذا ما وجدناه، أو الكف عن السعي لإيجاده.

صحيفة الأيام البحرينية، 23 أغسطس 2014
http://www.alayam.com/writers/13570"